عمل إيتمار بن غفير منذ توليه وزارة الأمن القومي الإسرائيلية في ديسمبر 2022 ولمدة عامين على تجنيد المستوطنين وتسليحهم ضد العرب ورفع حماية الشرطة عن قوافل المساعدات الإنسانية المتجهة إلى قطاع غزة وذلك بإفساح المجال للمستوطنين للاعتداء عليها، فضلا عن اقتحاماته المتكررة للمسجدين الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي. ووفقًا  لصحيفة الفاينانشال تايمز، فقد ارتفعت معدلات الجريمة بشكل عام في عهده، ووصلت إلى مستويات قياسية، من 116 جريمة قتل في عام 2022 إلى 244 في عام 2023، من خلال قتل ما يقرب من 170 فلسطينيا من فلسطينيي الداخل في عام واحد.

ولا يعد سلوك بن غفير العنصري – والذي ولد عام 1976 –  طارئا. فهو ينتمي إلى عائلة يهودية مزراحية من يهود الشرق الأوسط، وينحدر والده من الشرق الأوسط، والتحقت والدته شوشانا بن غفير بحركة “إتسل” الصهيونية المتطرفة المنشقة عن عصابات الهاجاناه، حيث اقترفت جرائم إرهابية عديدة في فلسطين. وكل ما يحيط ببن غفير يعد عنصريا، فزوجته أيالا نمرودي ناشطة فاعلة في مجموعة إدارة الهيكل، وهي حركة تسعى لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى.

وفي الثامنة عشرة من عمره، استبعده جيش الاحتلال من الخدمة العسكرية بسبب خلفيته المتطرفة. وواصل نشاطه فعمل منسقآ للشباب الكاهاني داخل حزب “كاخ!” الذي أسسه الحاخام مائير كاهانا، صاحب رؤية التهجير القسري والتطهير العرقي للفلسطينيين. وفي ذلك الوقت بخاصة عام 1995، ظهر بن غفير على التلفزيون محتجآ على اتفاق أوسلو للسلام وهويلوح بشعار سيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، وصرخ “لقد وصلنا إلى سيارته وسنصل إليه أيضآ” ليتم اغتيال رابينن بعد هذا التصريح بأسابيع قليلة.

وتأثر بن غفير في شبابه بشخصيات دينية متفرقة، ومنهم دوف ليئور، الحاخام الرئيس السابق لمستوطنة كريات أربع في الخليل حيث يقيم بن غفير نفسه. وهو الأب الروحي للتيارات الصهيونية الدينية والإرهاب اليهودي. والذي يدعو لتدمير العرب والفلسطينيين والسيطرة على الأرض من البحر إالى النهر، وبفتي بقتل جميع الفلسطينيين بمن فيهم الرجال والنساء والأطفال والمسنين.

ومع ذلك، وجد بن غفير ضالته في حركة كاخ الكاهنية والتي جاهرت بتحقيق الأهداف الإسرائيلية في الإبادة من خلال الثورة على النظام العلماني القائم في إسرائيل، قوة الاحتلال، وتفكيكه وإقامة دولة دينية يهودية لا مكان لغير اليهود فيها. وكان بن غفير قد أشار في تصريح لصحيفة هارتس العبرية بأنه وجد في هذه كاخ الكثير من الحب للشعب اليهودي، والكثير من الحقيقة والعدالة، في إشارة إلى مجاهرتها بالفردية اليهودية على حساب الآخرين ورفض الدولة الإسرائيلية التعددية. 

ودرس وعمل بن غفير المحاماة من أجل دعم جرائم المستوطنين المتطرفين، حيث دافع عن عدد من المتهمين بإرتكاب جرائم إرهابية. ومن أبرزها جريمة قام بها مستوطنان من عصابات ما يسمى “دفع الثمن” واللذين وجهت إليهما تهم بإحراق منزل عائلة دوابشة الفلسطينية عام 2015، ما أسفر عن استشهاد الرضيع علي دوابشة. وفي حين وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحادثة بأنها “إرهاب يهودي”، نفى بن غفير ذلك وقال إنه “لا يوجد شيء كهذا”، في إشارة إلى المستوى اليميني المتطرف غير المسبوق الذي يمثله الأخير.

ودخل بن غفير عالم السياسة في عام2012 ، ولكن حزبه “القوة اليهودية” فشل مرارآ في تجاوز الحد الأدنى الإنتخابي. وفي عام 2021، نجح أخيرآ في دخول الكنسيت لأول مرة، ويمثل الآن تحالفه الحزب الثالث في الكنيسيت من حيث عدد النواب (14من  .(120

ويبدو واضحا أن بن غفير بات يسير في مسار كاهانا، وتجلى ذلك من خلال تشأته واقترافه الجريمة بحجة الدفاع عن الحقوق اليهودية، خاصة وأنه أدين بجرائم متعددة ما حدا به أن يخفف من حدة خطابه باستخدام الشعبوية والفكاهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتكوين قاعدة جماهيرية تصل به إلى الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي وهو ما فشل في تحقيقه كاهانا. لهذا يعد بن غفير مختلفا وإن اتفق مع كاهانا في الغايات.

وتتشابه ملامح شخصية بن غفير مع الأب الروحي للكاهنية حسب وصفه، الحاخام المتطرف مائير كاهانا، الذي اغتيل في 1990، والذي كان قد أسس رابطة الدفاع اليهودية في 1968 للدفاع عن اليهود في أمريكا، وانتقل إلى إسرائيل عام 1971 وأسس هناك حزب كاخ الذي نادى بأفكار تجمع بين (تفوق العرق اليهودي القائم على تقديس “أرض إسرائيل” والعنصرية ضد العرب الذين وصفهم بالأعداء الواجب طردهم من تلك الأرض). 

ورأى الحاخام شاول ماجد الباحث في معهد شاولوم هارتمان الصهيوني في البحث الذي نشره المعهد بعنوان “صعود الكاهنية ردآ على الصهيونية الدينية” أن الصهيونية التي تبناها كاهانا لم تكن تعمل مع الدولة العلمانية بل كانت تعمل ضدها، وأشار إلى أنه كان يؤمن بضرورة تقويض الصهيونية العلمانية في إسرائيل، قوة الاحتلال، وتفكيكها بالوسائل السياسية. واقترح كاهانا أن تطبق إسرائيل القانون اليهودي الذي يلزم الأغيار “غير اليهود” في إسرائيل بالبقاء كغرباء مقيمين أو مغادرة البلاد مع الحصول على التعويض، وإلا يواجهون الترحيل القسري. 

ويجسد بن غفير ما تسميه منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة “بتسيلم” “بالتفوق اليهودي” حيث يؤمن كغيره من “الكاهنيين” بأن العرب لا مكان لهم على “أرض اليهود”. ولم يتوان بن غفير مطلقآ عن استخدام القمع ضدهم وهو ما يعبر عنه اسم حزبه “القوة اليهودية” أي استخدام العنف والقوة للوصول للأهداف الكاهنية. ويبتاهى بن غفير بصحيفة سوابقه حيث صرح في مقابلة سابقة، عام 2015 أنه من ضمن 53 لائحة اتهام حيث أُدين في سبع منها، بما في ذلك التحريض على العنصرية ضد العرب، وعرقلة عمل شرطة الاحتلال، ودعم منظمة إرهابية (كاخ). التي حظرت إثر مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، خاصة بعد تصنيفها بالإرهابية من قبل دول عديدة مثل الولايات المتحدة وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي، في عام 1995. 

وباعتراف “بتسيلم”، فإن إسرائيل، قوة الاحتلال، نفسها لطالما فرضت نظاماً يهودياً متفوقاً على الفلسطينيين مع اختلاف حكوماتها. 

والفرق بين واقع دولة الاحتلال وتنظيم كاخ او بن غفير نفسه هو المكاشفة والمجاهرة بالأهداف العنصرية التي تدارت خلف ديكور علماني، فلم يكن الوقت سانحا في عهد كاهانا فيما بدا واضحا من حرب الإبادة غير المسبوقة على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، أن المزاج العام في المجتمع الاسرائيلي قد تغير وأصبح أقرب إلى الأفكار الكهانية خاصة مع إدارة بن غفير وبتسلئيل سموتريش، وزير المالية الإسرائيلي المشهد من وراء الكواليس بقوة أصوات ناخبيهما. 

وأظهرت استطلاعات الرأي عام 1984 أن حوالى 15% من اليهود الاسرائليين يؤيدون فكرة “ترحيل الفلسطينين إلى الدول العربية، وتشجيع عرب إسرائيل على الهجرة” لكن بحلول 2016 كشف استطلاع أجرته مؤسسة PEW أن هذه النسبة قد ارتفعت وبات 48% من اليهود الإسرائيليين موافقين على أن “إسرائيل يجب أن تقوم بترحيل أو إزالة العرب من البلاد”. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 79% من اليهود الاسرائيليين يعتقدون أنهم يجب أن يحصلوا على معاملة تفضيلية على غيرهم.